الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
94
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
في أزمنة الفقهاء وأنت خبير بعد ملاحظة ما ذكرناه في محل النزاع أن هذا التفصيل عين التفصيل المتقدم أو قريب منه وهو كسابقه راجع إلى التفصيل الثاني هذا محصّل الكلام في الأقوال وهو المقام الثالث من المقامات المذكورة قوله وإنما استعملها الشارع فيها بطريق المجاز هذا الكلام يعطي اتفاق القائلين بثبوت الحقيقة الشرعية ومنكريها على ثبوت استعمال الشارع لها في المعاني الجديدة وفيه أن أحد النقلين عن الباقلاني هو إنكاره للاستعمال في المعاني الشرعية رأسا وإنما قال باستعمالها في المعاني اللغوية وجعل الزيادات شروطا خارجة عن المستعمل فيه وكأنه لعدم ثبوت هذه النسبة أو لوهنه جدا ولوضوح فساده لم يلتفت إليه قوله ويظهر ثمرة الخلاف إلى آخره هذا هو المقام الرابع من المقامات المذكورة وقد يشكل فيما ذكره الحال بأنه إن قيل بكون الوضع هناك تعيينيا حاصلا من الغلبة والاشتهار في زمان الشارع كما هو المتعين عند جماعة من المتأخرين على فرض ثبوت الحقيقة الشرعية فلا يتم ما ذكره من الثمرة لعدم انضباط تاريخ الغلبة ولا تاريخ صدور الرواية فينبغي التوقف في الحمل والقول بأن قضية الأصل تأخرهما فيتقارنان وهو كاف في المقصود مدفوع بأن الغلبة ليست مما تحصل في آن واحد وإنما هو من الأمور التدريجية فلا وجه للحكم بمقارنته لصدور الرواية مضافا إلى أن العبرة في المقام بالظن والأصل المفروض لا يفيد ظنا في المقام ليمكن الرجوع إليه في معرفة المراد من اللفظ فليس الأمر في فهم معاني الألفاظ مبينا على التعبد مع ما في الأصل المذكور من المناقشة المذكورة في محله على أنه غير جار في اللفظ الوارد في الروايات المتعددة لمقارنته إذن بواحد منها فيشتبه المقارن بغيره وقد يجاب عن ذلك بأن الغلبة الحاصلة ليست في أيام وفاة النبي صلى اللَّه عليه وآله بل الظاهر حصولها على القول بها قبل ذلك فالأصل حينئذ تأخر ورود الرواية وفيه حينئذ ما عرفت من التأمل في حجية الأصل المذكور مع انتفاء المظنة بمؤدّيها كما في المقام مضافا إلى أن هناك أخبارا صدرت بعضها قبل حصول الغلبة قطعا وبعضها بعده فيرجع الأمر هناك إلى المشتبه ولا يقتضي الأصل حينئذ أن يكون هذه الرواية هي المتأخرة إلا أن يقال بكون ذلك من المشتبه بغير المحصور فيجري عليه حكم غير المحصور في المقام لكن في كلتا الدعويين بحث وهو أنه ليس إلحاقه بالثاني أولى من إلحاقه بالأول نعم لو ثبت كون الغلبة حاصلة في أوائل الإسلام أمكن الحكم بتأخر الغلبة نظرا إلى أن الغالب تأخر الأخبار عن ذلك نظرا إلى انتشار الإسلام حينئذ وكثرة المسلمين ووفور الحاجة إلى الأحكام وكان ما ذكره من الثمرة مبني على ما هو الظاهر من كلام المثبتين من بناء الأمر على كون الوضع تعينيّا كما هو الظاهر وربما يناقش حينئذ بأنه ليس تاريخ الوضع أيضا معلوما إلا أنه مدفوع بأن الظاهر حصوله حينئذ من أول الأمر إذ الداعي إلى ذلك حاصل من الأول وهو قضية ما يقام عليه من الأدلة كما سيأتي الإشارة إليها واتفاق القائلين بالثبوت على الحمل على المعاني الشرعية أقوى شاهد على بنائهم عليه ثم إنه قد يناقش في المقام بأن الحمل على الحقيقة الشرعية حينئذ مطلقا يبنى على تقديم عرف المتكلم على المخاطب وعلى القول بتقديم عرف المخاطب وغيره أو التوقف يشكل الحكم المذكور مع كون المخاطب من أهل العرف واللغة ويدفعه أن الحقيقة الشرعية ليست كغيرها من العرفيات بل لا بد من حمل كلام الشارع عليها مع الإطلاق على كل حال إذ هو ثمرة وضعها لذلك ولذا لم يتأمل أحد في ذلك مع حصول التأمل في تقديم أحد العرفين على أن المخاطب إذا كان من أهل الشرع فهو تابع لعرف الشارع إذا كان في مقام بيان الأحكام وإن لم يتبعه في سائر المخاطبات قوله وعلى اللغوية بناء على الثاني أراد بها غير الشرعية فيعم العرفية إن ثبت هناك عرف وقد يتأمل في الحمل المذكور أيضا بأنه قد يقال بحصول الاشتهار في المجاز المفروض إذ لا ينافي القول بنفي الحقيقة الشرعية فحينئذ يبتني المسألة على تقديم الحقيقة المرجوحة على المجاز الراجح ولهم فيه أقوال فكيف يحملها على المعاني اللغوية على كل حال إلا أن يقال بأن المنكرين للحقيقة الشرعية ينكرون ذلك أيضا في جميع الألفاظ وهو كما ترى قوله وأما إذا استعملت في كلام أهل الشرع إلى آخره أراد به بعد زمان الشارع إذ من الظاهر أن الحال في وروده في كلام أهل الشرع في زمانه كحال وروده في كلامه صلى اللَّه عليه وآله وقد يناقش في ذلك أيضا بأن تلك الألفاظ مع البناء على نفي الحقيقة الشرعية لم تصر حقيقة في المعاني الجديدة بمجرد وفاته صلى اللَّه عليه وآله وإنما صارت حقيقة بالتدريج بعد مدة ولم يتعين فيه مبدأ النقل وحينئذ فإطلاق القول بحمله على المعاني الشرعية في كلام أهل الشرع ونفي الخلاف عنه ليس في محله وكأنه أراد به كلام الفقهاء المعروفين من أرباب الكتب الفرعية ومن قاربهم في الزمان إذ لا كلام في ثبوت الحقيقة المتشرعة في تلك الأزمنة ثم لا يذهب عليك أن النزاع في المسألة ليس بتلك المثابة في الفائدة إذ الثمرة المذكورة كما عرفت إنما هو في صورة انتفاء القرائن ولا يتحقق ذلك في الألفاظ الموضوعة بالكتاب والسنة إلا قليلا إذ الغالب أن في الألفاظ الشرعية المستعملة للقرائن المتصلة أو المنفصلة ما يفيد إرادة المعنى الشرعي وخلو سابق الكلام ولاحقه عما يفيد ذلك وانتفاء سائر الشواهد عليه كأنه نادر فيهما وأيضا معظم أحاديثنا المروية في الأحكام الشرعية إنما هو عن الصادقين عليهما السلام ومن بعدهما عليهما السلام وليس عندنا من الروايات النبوية في الأحكام من غير جهتهم إلا قليل ولا يكاد يوجد فيما اختص غيرهم عليهم السلام بنقله حديث معتبر يمكن التعويل في الأحكام إلا قليل من الروايات المعتضدة بالشهرة ومع ذلك فوجود تلك الألفاظ فيها خاليا عن القرينة في كمال الندرة وكذا الحال فيما يتعلق بالأحكام من القرآن لورود تفسير معظم تلك الآيات في الروايات المأثورة عن الأئمة الهداة عليه السلام أو في كلام من يعتمد عليه من أئمة التفسير وورود ما هو من الألفاظ المذكورة فيها من دون ظهور المراد بوجه إلا من جهة هذه المسألة قليل أيضا وحينئذ فبملاحظة ما عرفت من عدم صدق الشارع على الأئمة عليهم السلام لا تكون الثمرة المتفرعة على هذا المراد بتلك المثابة من الاهتمام وإن أريد ترتب تلك الفائدة عليها بالنسبة إلى كلام الصادقين عليهما السلام ومن بعدهما من جهة الوضوح أنه مع ثبوت الحقيقة في عصر النبي صلى اللَّه عليه وآله يثبت بالنسبة إلى أعصارهم وأما مع عدمه فربما يشك بالنسبة إلى كلامهم أيضا ففائدة الخلاف المذكور وإن لم تكن مهمة بالنسبة إلى ما ورد عن النبي صلى اللَّه عليه وآله لكنها مهمة بالنسبة إلى ما ورد عن الأئمة عليهم السلام ففيه أن تلك الفائدة وإن لم تترتب على القول بثبوت الحقيقة الشرعية إلا أنها ترتبت في الحقيقة على الكلام في مبدأ الحقيقة الشرعية على القول بنفي الشرعية إذا تبين حصوله في عصرهما كما هو الظاهر وكأنه مما لا ينبغي التأمل فيه بل الظاهر كما قيل وقوع النزاع في الحقيقة الشرعية في تلك الأعصار مع إطباقهم إذن على ثبوت الحقيقة المتشرعة واحتمال ترتب الفائدة عليه بالنسبة إلى الأحاديث المروية من جهتهم عليهم السلام إن كان هناك لفظ خال عن القرينة موهون بأن الظاهر من نقلهم لها مطلقا في مقام بيان الأحكام مع فرض اختلاف